ابن الجوزي
310
صفة الصفوة
له رجل أي فلان مت اليوم حتى تعيش أبدا . فقلت لنفسي : هذا لك موتي اليوم حتى تعيشي أبدا . وعن أبي عليّ الحسن بن علي بن فهر القلاف ، قال : قال عبد الصمد : يا أبا علي رأيت اليوم عجبا : اجتزت ببعض الخرابات فسمعت منها أنينا فدخلت وإذا برجل قد شدّ حبلا يريد أن يخنق نفسه فزعقت عليه وقلت له لا يحل لك أن تفعل هذا . فقال لي : فأعذر . فقلت : وما شأنك والغدر ؟ قال : قد قامرت في قتل نفسي فقمرتها وما أرى الغدر . فنحيت الحبل من عنقه وعجبت كيف لم يستجز الغدر في هوى الشيطان فكيف يجوز الغدر في رضا الرحمن ؟ وحكى أبو الوفاء بن عقيل قال : هجم عيد على عبد الصمد والبيت فارغ من القوت ، فجاءه رجل بدراهم فقال : خذ هذه . فقال : يا هذا باللّه دعني اليوم أتلذذ بفقري كما يتلذذ الأغنياء بغناهم ، وكان يقول أبدا أوجدهم في تعذيبه عذوبة . ( قال المؤلف ) : بلغني عن عبد الصمد أنه كان في دعوة فقيل له : انبسط وتمكّن فقال : وما يمكّني ؟ من يحتشم ربّه في الخلوة لا ينبسط . وكان يحرّض أصحابه إلى الجدّ ويقول : هيه قد فاتتكم الدنيا فلا تفوتنّكم الآخرة . وقال التنوخي : حدّثني من حضر عبد الصمد وقد احتضر ، فدخلت عليه أم الحسن بن القاضي أبي أحمد بن الأكفاني ، وكانت أحد من يقوم بأمره ويراعيه . فقالت له : أسألك وأقسم عليك إلا سألتني حاجة . فقال لها : نعم كوني لهنيّة ، يعني ابنته ، بعد موتي كما أنت لها في حياتي . فقالت : أفعل . ثم أمسك ساعة وقال : أستغفر اللّه ، وكرّرها ، اللّه لها خير منك . وحكى ابن عقيل عن بعض من حضر عبد الصمد عند الموت قال : حضرته وهو يقول : يا سيّدي لليوم خبّأتك ، ولهذه الساعة اقتنيتك ، حقّق حسن ظنّي بك . أسند عبد الصمد عن أحمد بن سلمان النجّاد . وتوفي يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة . وقيل : في آخر يوم من ذي